العلامة الشيخ عبد الوهاب النائب رحمه الله

نعي الشيخ الشهيد محمد رضوان الحديدي
يناير 14, 2014
النبي عليه الصلاة والسلام في السُنة النبوية
يناير 18, 2014

بقلم: غازي السامرائي

اسمه ونسبه

عبد الوهاب بن عبد القادر بن جعيدان بن شبيب بن حمد بن علي العبيدي.

ولادته ونشأته

ولد رحمه الله في الأول من شهر محرم، سنة 1269هـ، في حي الفضل في جانب الرصافة من بغداد عاش في كنف والديه في جوٍ مليء بالإيمان والطاعات وقرأ القرآن على والده وأتمه بالترتيل والتجويد كما درس على يديه شيئاً من علوم الشريعة واللغة والحساب.

درس العلوم الشرعية كافة على شيخه العلامة عبد الوهاب أفندي الحجازي إذ كان يعقد حلقات العلم في جامع منورة خاتون وظل في تحصيل العلم والمعارف حتى اشتهر بين الناس آنذاك بأبي يوسف الثاني، لما يتمتع به من ذكاء ونباهة وحفظٍ لأصول المسائل وأدلتها.

ولما غادر أستاذه الحجازي إلى مدينة الحلة قاضياً شرعياً غُين مدرساً في جامع منورة خاتون فكان خير خلف لخير سلف في تبليغ الإسلام ونشر ميراث النبوة على صحابها أفضل الصلاة والسلام.

صفاته

كان رحمه الله في غاية الكرم حتى اشتهر عنه أنه ما رد سائلاً قط وكان يسعى على الفقراء بالطعام والشراب والدواء ويأمر من معه من الرجال بحمل الأكل إلى بيوت الأيتام حتى أنه لقي مسكيناً قد جلس إلى المسجد في ليلة شتاء باردة وهو يرتجف فما كان منه إلا أن خلع معطفه وأعطاه للمسكين وأدخله إلى الجامع وهيّئ له كل الفراش ولما أصبح الصباح وضع بين يديه شيئاً من المال ثم ودعه.

كان كثيراً يسأل عن أصحابه ومحبيه فإذا غاب واحد منهم أخذ جماعة من المصلين وذهب إليه للزيارة والاطمئنان كما أنه كان يشارك الناس أفراحهم وأحزانهم ولا ينصرف من تلك المناسبات إلا حين ينفض الناس ويذهب كلٌ إلى بيته.

همتهُ العالية

امتاز العلامة النائب رحمه الله بهمة عالية تَهدُ الجبال فكان لا يتوانى عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما حل وارتحل ومن جملة ذلك أنه رأى محلاً لبيع الخمور في أحد أحياء بغداد فما زال به من الإنكار والزجر ومراجعة دار الحكومة حتى أمرت بإغلاقه.

كان كثير المراسلة للعلماء في الداخل والخارج يحذرهم من مخططات المناهج الضالة التي تكيد للإسلام وأهله، وما فتئ يتحرك ويجوب المدن خطيباً وواعظاً في مساجدها رسالة إلى الناس مفادها أن السعادة الحقيقية هي في الإسلام وإتباع نبيه عليه الصلاة والسلام ولا يوجد في غيرهما إلا الخسران والضياع.

دأب رحمه الله على ابتكار المشاريع ذات النفع الدائم للمسلمين مثل جمعية الأيتام ودار القرآن الكريم فقد كان يضع الخطة ويكتب الآليات ويستشير أهل الخبرة في ذلك ويحضر لتجهيزها حتى التمام والافتتاح.

شجاعته

عاش رحمه الله مرفوع الرأس لا ينحني إلا لله سبحانه، يتكلم الحق مهما كان مُراً لا تأخُذه في الحق لومة لائم، يعظ السلاطين والملوك يخطب في العامة يوم الجمعة ومن مناقبه أنه حين اشتدت الحرب مع المستعمر الإنكليزي ذهب إلى عشيرته “العبيد” فحثهم على الجهاد في سبيل الله ومقارعة العدو ووفر لهم الإمكانيات المادية اللازمة كذلك وفتح لهم بيته وسخر ماله ووقته في سبيل ذلك فكان نعم العالم العامل رحمه الله.

مناصبه

لم يكن غرض الشيخ رحمه الله من المناصب هو السمعة وكسب الأموال، بل على العكس من ذلك فقد سخرها لخدمة المسلمين وتسيير شؤون معيشتهم، فلقد عمل عليه الرحمة والرضوان كمفتي لمدينة بغداد، وترأس بعد ذلك رئيس محكمة الصلح وكان له أطيب الأثر في الإفراج عن المجاهدين الذين قاوموا الاستعمار آنذاك، كما سجلت له قاعة المحكمة وقفات صادقة مع المستضعفين أمام أثرياء البلد وأصحاب النفوذ، ثم تولى بعد ذلك منصب رئاسة التمييز الشرعي التي كان من شأنها أن تقول الكلمة الفصل في أعقد المسائل الدينية والاجتماعية والسياسية التي يمر بها البلد، وقد ضرب في ذلك أروع الأمثلة من الصدق والثبات وقول الحق.

أعماله

سعى رحمه الله في تأسيس مناشئ الخير والصلاح منذ بداية حياته، فقد كان في إحدى ضواحي بغداد أحد البساتين يستوطنها بعض المجرمين وقطاع الطرق، عاثوا في الأرض الفساد حتى وصل خبرهم إلى الوالي حسن الباشا فما كان منه إلا أن هجم عليهم فَقُتل منهم ومن بقي أعلن توبته في الملأ وجنّد نفسه في الجيش آنذاك، وأما البستان فبقي على حاله وتوالت الأيام من غير يدٍ ترعاه ولا ماء يسقيه حتى انتهى أمره إلى الذبول، فلما علم بذلك العلامة النائب رحمه الله، اشتراه من حسن باشا بألف جنيه وحَولهُ إلى دور وخانات لمبيت المسافرين ومحلات وجعلهُ حسبةً لله تعالى لم يكتسب من ورائه ديناراً واحداً.

أنشأ المدرسة الراشدية في منطقة الراشدية المعروفة اليوم، وقد خصصها رحمه الله لتعليم أبناء العشائر “الدليم، ألبو فراج، العبيد، الخزرج، المشاهدة”، لأنه كان يرى فيهم الحمية والشجاعة وبذور الأصالة فإذا ما هذبوا بأحكام الشريعة وتعاليم الدين فسيكون سلوكهم إلى الصواب أقرب وللأمة أنفع.

تكفل بمصاريف المدرسة عامين متتاليين، من أثاث ومأكل ورواتب للمدرسين ولم يزل الأمر حتى أمرت نظارة الأوقاف بمصاريف المدرسة وما يلزمها من خدمة، اشترى رحمه الله قطعة أرض كانت قد زرع فيها النخيل والفاكهة وقام بتحويلها إلى مدرسة لطلبة العلم سماها ” المدرسة الجديدة” كما أن هذه الأرض لم يكن فيها دار للشكوى ونحو ذلك فترك مساحة من هذه الأرض جُعلت مركزاً للشرطة تقتص من الظالم وتنصر المظلوم وكان يتابع تلك القضايا باهتمام بالغ.

أنشأ في بغداد ثلاثة مجالس للوعظ والإرشاد يجلس إلى الناس يحدثهم ويسمع منهم ويكلمهم عن أمور البلد وضرورة المحافظة على هوية البلد الإسلامية، كما امتاز باختياره لمواعظه فإن كانت مناسبة فرح دعا فيها إلى الزواج وتحصين النفس من الآثام، وإن كانت فاجعة ذكرهم بالآخرة ولزوم التوبة وإعمار الأيام بالعمل الصالح.

مؤلفاته

المعارف في كشف ما غمض من المواقف، حاشية على الدرر في الفقه، حاشية على جمع الجوامع في الأصول، شرح أربعين حديثاً في الصحاح الستة، رسالة في الفرائض والمواريث، منظومة نور الإيضاح في الفقه، ديوان خطب منبرية، ديوان شعر في الرثاء والمديح والحماسة وغيرها.

رحيله إلى الآخرة

أصيب رحمه الله بداء السكر وبقي يصارع المرض سنين طوال، ولكنه رحمه الله على الرغم من ذلك بقي على همته في العبادة والتواصل مع العلم وقضايا الأمة، وبقي على هذا الحال حتى أشار عليه الأطباء بتغيير محل سكناه لأجل الراحة وتغيير المكان فأسكنوه في إحدى القصور الفخمة كانت لأحد الولاة وهو الذي عرضها عليه استقر فيها أياماً معدودة لكنه لم يحتمل البقاء طويلاً فأراد من مرافقيه الرجوع إلى منزله بين أسرته وأبناء حيِّه فلبّوا طلبه فما زال الناس يتوافدون على داره للزيارة والدعاء حتى وافاه الأجل يوم السابع والعشرين من ذي الحجة سنة 1340هـ فخرجت عند ذلك بغداد وكلُ من سمع به مشيعاً إلى مثواه الأخير وبكاه الناس صغيرهم وكبيرهم وليس أدل من ذلك على قبوله في الأرض بين العباد، تغمده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته.([1])


([1] ) أصل المادة كتاب لب الألباب للسهروردي، بتصرف.

%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%84%d8%a7%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d9%8a%d8%ae-%d8%b9%d8%a8%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%88%d9%87%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d9%86%d8%a7%d8%a6%d8%a8