العلامة محمد رمضان إلى مثواه الأخير
مايو 25, 2014
رسالة المجمع الفقهي إلى السادة أعضاء مجلس النواب المنتخبون
يونيو 1, 2014

بقلم : الشيخ الدكتور عبدالوهاب الطه ــــ غازي السامرائي

عالمٌ جليل، وأستاذ الجيل، غزير العلم، واسع الإطلاع، دقيقٌ في التحقيق، حافظٌ لعشرات المتون، في العربية والأصول والفقه والمنطق والتفسير والبلاغة، موسوعيٌ وكان درسه جامعاُ لكثيرٍ من العلوم والفنون .

يتحبب إلى طلابه ويلاطفهم مما يضفي على درسه تشويقاً لا يذهب هيبة العالم، وهو سريع الدمعة رقيق القلب، ولطالما أكد أن العرب والكورد لا بد أن يزيلوا كل عوائق الفرقة بينهم.

 كان رحمه الله أباً لكل من حوله فلا تكاد تشعر بتكلف في مجلسه، صريحاً صدوقاً في مقاله، وقوراً في حاله غير متكلف، إذا جالسته تشعر أنك أمام هامة عالية تستصغر علمك أمامه لسعة علمه ودقة معرفته.

اسأل الله أن يعوض خسارتنا فيه، اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلف لنا خيراً منها .

مولده ونشأته

ولد في كركوك عام 1937 للميلاد، وهناك نشأ وسط أسرة مسلمة على الفطرة وحب العبادات والتقرب إلى الله عزوجل بالأعمال الصالحة ومما حدثني به رحمه الله عندما زرته يوم الإثنين الموافق  14/4/2014 أن والده رحمه الله كان يحب العرب جداً ودائماً يستقبل بائعي الحطب من عرب وأكراد فان كانوا أكرادا لم يلح عليهم في الضيافة وان كانوا عرباً تمسك بضيافتهم ويقدم لهم أفضل أنواع الطعام، ويكمل الشيخ رمضان القول سألته أمي في أحد الأيام لماذا تفعل ذلك مع العرب دون غيرهم قال لها يا امرأة هؤلاء من بني قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا ما رأيناه يوم القيامة نقول يا رسول الله اشفع لنا بإكرامنا لبني قومك وكنت انظر إلى عينيه تذرف الدموع عليه رحمة الله .

كما حظي بعناية والده في التشجيع على العبادات وحفظ القرآن الكريم، وارتياد المساجد مما جعل منه نموذجاً عالي الطموح في دراسة علوم الشريعة الغراء.

 دراسته وتحصيله علوم الشريعة

درس العلوم الشرعية على طريقة الإجازة العلمية ويحدثنا عن نفسه قائلاً (بدأت مشواري على الطريقة القديمة وهي الاثنا عشرية المحتوية على جميع العلوم الإسلامية بما فيها علم الكلام ،وبعد هذه الدراسة يعطى الطالب بعد إتمامه هذه العلوم جميعها الإجازة العلمية من الشيخ الأكبر وتسمى الإجازة في العلوم ألاثني عشرية وقد وفقني الله تعالى أن أكمل جميع هذه العلوم لأحصل على الإجازة العلمية عند فضيلة الشيخ الأكبر في المنطقة الشمالية رضا أفندي الواعظ،والذي عاش بعد المائة وهو قد حصل على الإجازة من جد الشيخ امجد الزهاوي رحمهم الله أجمعين والذي كان مفتيا للعراق في العهد العثماني ، وفي 1957 سافرت إلى مصر للحصول على الشهادات العلمية فحصلت على البكالوريوس ومن ثم الماجستير في الأزهر الشريف من كلية أصول الدين ثم رجعت إلى بغداد لِأتعين في كلية الإمام الأعظم عام 1968 ، علما أن الماجستير كانت أربع سنين سنتين تكميلية وسنتين تحضيرية بسبب التغيرات الحاصلة في منهج الأزهر حيث زادوا في بعض العلوم وسني الدراسة ، وفي 1976 سافرت إلى مصر لإكمال الدكتوراه في سنتين لأني كنت مسجلاً منذ القدم وكانت رسالتي بعنوان ( الباقلاني وآراؤه الكلامية) وهي مطبوعة ، وهي فلسفة إسلامية ، وعنوان رسالة الماجستير بعنوان( ابن تيمية ومنهجه في العقيدة ) والثاني بعنوان (المقولات العشر بين الفلاسفة والمتكلمين) ،ثم بعد سنتين في سنة 1978 رجعت لأكمل تدريسي في الإمام الأعظم بعد أن ألُحِقَتْ بكلية الشريعة جامعة بغداد في حينها ، وفي 1979 انتقلت إلى الإمارات العربية المتحدة بموافقة الدولة فبقيت ادرس هناك في جامعة العين إلى 1983 لأرجع للعراق بسبب طلب العراق لنا في هذا العام ، ومن ذلك اليوم بقيت ادرس في العراق.) [1]

ومن الجدير بالذكر انه أخبرني في زيارتي له رحمه الله بأمر دراسته في مصر قائلاً ( عندما وصلت إلى مصر وقدمت أوراقي إلى كلية أصول الدين وكان معي مجموعة من الطلبة العراقيين فلما علموا رغبتي في دراسة العلوم الشرعية قالوا لي مالك وعلوم الشريعة أنت رجل تملك الإجازة العلمية في العلوم الشرعية أتبقى في الشريعة لتدرس الفقه وأحكام الصلاة ويمكنك أن تدرس علوم اللغة معنا في كلية الآداب، فملت نحو قولهم وذهبت إلى المسئول عن التسجيل في كلية أصول الدين وأخبرته برغبتي في الانتقال إلى كلية الآداب فوافق وأعطاني الملف، وذهبت معهم لمقابلة مسئول الكلية وسألني سؤالاً في اللغة العربية وأجبته بإتقان والحمد لله، وفي الليلة ذاتها رأيت شيخي ملا رضا أفندي الواعظ في المنام فقرأ لي قوله تعالى (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) وعندها استيقظت فزعاُ انتظر شروق الشمس، وفي الصباح ذهبت إلى كلية الآداب وطلبت إعادة ملفي إلى كلية أصول الدين مرة أخرى فتمت الموافقة ومضت على خير .

والفقيد يرحمه الله تعالى مجاز بالعلوم العقلية والنقلية من الشيخ ملا رضا أفندي الواعظ والشيخ الواعظ مجازٌ من الإمام أبي الثناء الالوسي صاحب معاني البيان في تفسير القرآن .

 جهوده في التأليف

كتب العديد من البحوث والدراسات الجادة في العلوم الشرعية ومنها(ابن تيمية ومنهجه في العقيدة) رسالة ماجستير، ( الباقلاني وآراؤه الكلامية) رسالة دكتوراه، (المقولات العشر بين الفلاسفة والمتكلمين) (التوسل بالأنبياء والمرسلين) ( شرح الفناري في المنطق) فضلاً عن العديد من البحوث والمحاضرات المتنوعة .

 جهوده ونشاطاته

تميز الفقيد العلامة محمد رمضان رحمه الله بعلو الهمة في تدريس علوم الشريعة على مستوى التعليم الجامعي أو من طلاب العلم الذين لازموه واخذوا العلم عنه، وبين هذا كله لا ينفك عن المطالعة وتهيئة الجيد النافع لطلبة العلم فضلاً عن إشرافه على رسائل علمية كثيرة لطلبة الماجستير والدكتوراه .

كما شارك إخوانه العلماء في تأسيس المجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء للدعوة والإفتاء ويتشاور معهم حول المسائل والنوازل التي تحصل لأهل السُنة والجماعة في العراق.

وكان كثير التواصل مع فضيلة الشيخ العلامة أحمد حسن الطه وقد قام بزيارته في الآونة الأخيرة مع أعضاء من المجمع الفقهي للاطمئنان على صحته والاستمتاع بمجالسته وسماع حديثه، كما وعد الفقيد رحمه الله فضيلة الشيخ العلامة الطه بمنحه الإجازة في العلوم الأثني عشرية والتي أخذها عن الشيخ الواعظ عن الآلوسي المفسر رحمهم الله تعالى .

 وفاته

بعد صراع مع أمراض السكر وضغط الدم وتقدمه في السن أصيب الشيخ الدكتور محمد رمضان بأزمة قلبية ليلة الأحد الموافق 25/4/2014 توفي على إثرها رحمه الله تعالى.

وفي صباح يوم الأحد صلى عليه المشيعون في جامع الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه في حي العدل ببغداد، وحمل أهالي الفقيد وطلبته ومحبيه جثمانه إلى مدافن العائلة بمدينة كركوك ليوارى هناك رحمه الله .

نسال الله أن يتغمده بواسع رحمته وان يسكنه فسيح جناته


[1]  موقع صيد الفوائد، لقاء الشيخ مثنى الزيدي بالأستاذ الدكتور محمد رمضان عبد الله