العلامة الشيخ نجم الدين الواعظ
أكتوبر 5, 2013
العلامة الشيخ عبدالكريم محمد المدرس
أكتوبر 5, 2013

علامة العصر في علم القراءات وخطيب مسجد الامام الاعظم

الشيخ عبدالقادر الخطيب

بقلم: صادق الجميلي

من العلماء الأعلام الزهاد الذين رحلوا عنا ولم يورثوا مالا بل ولم يملكوا عقاراً وقضوا حياتهم في هذه الدنيا مستأجرين لدور سكناهم حتى قضوا نحبهم ورحلوا عنا ولم يتركوا من متاع الدنيا شيئاً سوى العلم الغزير والسمعة الطيبة والذكر الحسن ، ذاك هو الشيح عبدالقادر بن عبدالرزاق بن صفر أغا رئيس عشيرة القيسية القبيلة العربية ذائعة الصيت في البلاد العربية خطيب جامع الامام الاعظم، فاذا ذكر هذا الجامع ذكر الشيخ عبدالقادر الخطيب بقرائاته السبع، صاحب الصوت المتميز بنبراته العذبة الجهوري المألوف، والطلعة البهية ذات العمامة الكبيرة المذيلة واللحية الكثة المسترسلة واللباس الابيض الناصع ، لباس أهل الجنة وزي الرجال الصالحين..

ولد الشيخ -رحمه الله- عام (1313هـ/م1895)، في محلة الفضل من محلات رصافة بغداد من عائلة بسيطة ألفت حب الخيرات، فلما بلغ ابنها الطفل عهد الصبا تعلم القرآن الكريم على والده الذي كان معلماً في المدرسة الحميدية ببغداد، ثم اكمل الدراسة الابتدائية فيها أيضا وانخرط في طلبة دار المعلمين ببغداد.

عين لأول مرة معلماً في المدرسة الحيدرية الابتدائية ببغداد والكائنة قرب مبنى وزارة الدفاع القديمة وقبالة المدرسة الاعدادية المركزية، وقضى فيها اربع سنوات معلما ومربياً وذلك في العهد العثماني .. ودعي للخدمة المقصودة – اي خدمة الاحتياط- وارسل الى استانبول ولما أكمل بعض دراسته عاد الى مدينة الموصل سنة 1917م، وكان الانكليز قد احتلوا بعداد فلم يشأ ان يعمل في ظلهم باعتبارهم كفار احتلوا البلاد الاسلامية بالقوة والنار وبقي في الموصل حتى عين معلماً في مدرسة (دار العرفان) وقضى فيها بعض الوقت ثم واصل دراسته في هذه المدينة التي كانت تزخر بكبار العلماء المشهورين بالعلم والتقوى والورع منهم العلامة: الشيخ محمد الرضواني شيخ علماء الموصل ونال منه الاجازة العلمية، ثم درس أصول التجويد وعلم القراءات السبع على العلامة الشيخ احمد الجوادي فأجازه فيها ونال منه اجازة أخرى في علوم الحديث..

وصل الى بغداد، وثورة العشرين على أشدها وكان جامع الحيدر خانة مركز انطلاق ثوارها منه، فساهم بقسط وافر فيها حتى استقر الحكم الملكي في بغداد وبقية انحاء العراق، فاكمل دراسته العلمية على كبار علماء بغداد منهم العلامة عبد الوهاب النائب، والعلامة السيد يحيى الوتري والعلامة عبد المحسن الطائي، والعلامة قاسم القيسي، والعلامة الشيخ امجد الزهاوي، وقد لازم الشيخين الاخيرين مدة طويلة فاستوعب علومهما الشرعية واقتدى بسيرتهما الرائعة، وكان حريصا على طلب العلم وتحصيله وبثه بين الناس… وكان الشيخ عبد القادر الخطيب من العلماء القلائل في العالم الاسلامي الذين يجيزون الطلبة في علوم القراءات السبع وأصول التجويد، وكان قارئاً متيقناً اعترف له بطول الباع كبار العلماء في هذا المضمار واصبحت اجازته معتبرة في علم القراءات لدى العلماء الكبار… اضافة الى ما تقدم اجازه علماء آخرين باجازات عامة وخاصة، كما أجازه علامة الشام الشيخ بدر الدين الحسيني ، وعلامة المدينة المنورة الشيخ محمد الخضر الشنقيطي، واختص رحمه الله بعلم القراءات ، واليه انتبهت مشيختها في العراق بل في العالم الاسلامي، ولفضله وعلمه عين مدرساً في تكية البدوي، ومدرساً في جامع منورة خاتون في بغداد وذلك سنة 1929م ، واماماً وخطيباً في جامع الامام الاعظم في نفس السنة ، ثم استقر مدرساً في جامع الامام الاعظم لتدريس علم التجويد ومدرساً في الحضرة الكيلانية من سنة 1975- 1967.. وقد تخرج على يديه كثير من ائمة وخطباء المساجد في القطر ونالوا منه الاجازات في القراءات القرآنية.. وقد أحيل على التقاعد سنة 1966 ولكنه ظل يدرّس حسبة لله الى آخر حياته ثم أختير رئيساً لجمعية رابطة العلماء في العراق بعد وفاة الشيخ أمجد الزهاوي ، وقد ساهم في السعي لانشاء العديد من المساجد في داخل بغداد وخارجها.. وبعد وفاته خلف علماء يجيزون طلبة العلم في القراءات السبع ومنهم: المقرئ المجيد صفاء الاعظمي الذي يعلم الكثير عن استاذه عبدالقادر الخطيب.

وفي الأمسية التي توفي فيها ذهب الى مسجده بعض الشباب من اصحاب الأصوات المجيدة والقراءات الجيدة بعد صلاة العشاء وهمهم أن يسجلوا له بعض القراءات بصوته العذب الشجي فاستجاب لطلبهم بعين الرضا والقبول دون اعتراض كعادته في كل مرة وقال لهم: اسمعوني قبل أن تفقدوني ، فقرأ لهم بعضاً من كتاب الله وانهى قراءته ببعض الأذكار والتسبيحات وسجلوا له ما دار في هذه الجلسة من قراءات واحتفظوا بها لتحيي ذكراه العطرة.. وفي صباح ذلك اليوم سمع الناس نعيه من مكبرات الصوت في جامع الامام الاعظم، وذلك في يوم الثلاثاء 27-جمادي الآخرة من سنة 1389هـ الموافق 9-9-1969م وشيع الناس جنازته عصر ذلك اليوم من الحضرة القادرية الى الحضرة الاعظمية ليدفن في مقبرة الأعظمية ..

وكانت وفاته خسارة لا تعوض ومصاباً جللاً !! فإنا لله .. وإنا اليه راجعون!!.