محبة المسلم لغير المسلمين
أكتوبر 6, 2013
هل للتجارة حد في الربح وماهي حكم التسعيرة؟
أكتوبر 6, 2013

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كثر الحديث بين الخطباء والمحدثين بأن اختلاف الأمة رحمة، واختلاف العلماء والفقهاء رحمة لأمة محمد -عليه الصلاة والسلام.

والسؤال هو: كيف يستقيم ذلك إن كان الإسلام يدعو دائماً للوحدة ونبذ الاختلاف؟

كما أن الفطرة تبين لكل ذي لب بأن الاختلاف ليس دائماً ممدوحاً ومفيداً، فما الموقف الصحيح في هذه المسألة من حيث الشرع والدين والفتيا واتباع الحق؟

وفقنا الله وإياكم للطريق المستقيم، وجعلنا وإياكم من عباده الصالحين، والحمد لله رب العالمين

يجيب فضيلة العلامة الشيخ عبدالله بن بيه

بسم الله الرحمن الرحيم وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته 

هذه المسألة مهمة، فإن مسألة اختلاف الأمة وكونه رحمة، قد وردت في حديث غير ثابت، رواه البيهقي بسند منقطع عن ابن عباس – رضي الله عنهما- بلفظ: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “مهما أوتيتم من كتاب الله فالعمل به، لا عذر لأحدكم في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله، فسنة مني ماضية، فإن لم يكن سنة مني ماضية، فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء، فأيها أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة” وخرجه الألباني في الضعيفة(59)

وقال: إنه موضوع. وكذلك أورد هذا الحديث ابن الحاجب بلفظ: “اختلاف أمتي رحمة،

وكذلك الملا علي القاري الذي قال: إن السيوطي قال: أخرجه نصر المقدسي في الحجة، والبيهقي في الرسالة بغير سند، ورواه القاضي حسين، وإمام الحرمين وغيرهم، ولعله خُرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا، ونقل السيوطي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يقول: “ما سرني أن أصحاب النبي محمد – صلى الله عليه وسلم- لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة،

وكذلك أخرج الخطيب أن هارون الرشيد قال لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله نكتب هذا الكتاب – يعني الموطأ-، ونحمل الناس عليه، ونفرقه في آفاق الإسلام لنحمل عليه الأمة، فقال يا أمير المؤمنين: إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى- على هذه الأمة، كل يتبع ما صح عنده، وكلهم على هدى، وكل يريد الله تعالى-.فهذه الأقوال تدل على أن حديث: “اختلاف الأمة رحمةليس ثابتاً، ولكن مع ذلك هناك ما يدل على أن المسألة لها أصل، فكلام عمر بن عبد العزيز، وكلام مالك – رحمهما الله تعالى- يدل على أن المسألة لها أصل، ومعنى ذلك: أن الاختلاف الحميد الذي تكون له أسباب وجيهة من دلالات الألفاظ، ومن معقول النص، هي اختلافات حميدة وسائغة،

ولهذا سماها ابن القيم – رحمه الله-: الخلاف السائغ بين أهل الحق، فهذا النوع من الاختلاف لا حرج فيه، ويجب على المسلم أن يوسع صدره لتلك الحكمة التي كتبها العالم يوصى بها ابنه: اعرف الخلاف يتسع صدرك، فإذا عرف اختلاف العلماء ، وأسباب هذا الاختلاف لوجود دلالات الألفاظ المختلفة، ولوجود مسائل معقول النص، فالاختلاف في الاجتهاد -كما يقول ابن القيم – رحمه اللهإذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل به مجتهداً ومقلداً، ويقول العز بن عبد السلام: من أتى شيئاً مختلفاً في تحريمه اعتقد تحليله، فلا ينكر عليه إلا أن يكون قول المحلل ضعيفاً جداً.

إذاً الاختلاف بهذه المثابة يكون توسعة على الناس في الفروع، فمن عمل بشيء من أقوال العلماء في ذلك يكون إن شاء الله مصيباً، وحتى لو كان مخطئاً فإنه معفو عنه، ومن اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد وأخطأ فله أجر كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري(7352)، ومسلم(1716) عن عمرو بن العاص –رضي الله عنه-، فحينئذ لا ينكر هذا الاختلاف، وهذا هو الاختلاف الذي يمثل الرحمة؛ لأنه يمثل سعة واتساعاً لحل قضايا الأمة ومشاكلها، وكذلك يحمل الناس على التعايش مع بعضهم دون وجود ضغن وأحقاد لا مبرر لها. أما الاختلاف المنهي عنه، والذي يمثله قوله تعالى: “وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ” [الأنفال: من الآية46]، هذا الاختلاف الذي يؤدي إلى التباغض والتدابر،

وقد نهى النبي –صلى الله عليه وسلم- عن ذلك فقال: “لا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا تناجشوا، وكونوا عباد الله إخواناًرواه البخاري(6066)، ومسلم(2563) من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه-، هذا الاختلاف الذي يؤدي إلى التباغض والتدابر هو الاختلاف الذي يمس العقائد الكبرى، وهو أمر يتجاوز -على حد التعبير المعاصر- الخطوط الحمراء، وبمعنى أنه يتجاوز الاختلاف المقبول إلى التناحر وإلى أن يضرب بعض الأمة بعضها، وألا تتحد سياساتها، وألا تواجه عدوها معاً، هذا الاختلاف مذموم.

إذاً الاختلاف منه حميد، ويكون علامة صحية، هو اختلاف عرفت أسبابه وظهرت آثاره الطيبة على الأمة، وأحدث يسراً، وهناك اختلاف ظهرت آثاره السيئة على الأمة وهو الاختلاف المذموم، فعلى المجتهد العالم أن يعرف ذلك ببصيرته، وأن يكون بصيراً بأنواع الخلاف التي يتسامح بها، وخبيراً بأنواع الخلاف التي تؤدي إلى تدمير وحدة الأمة، وتؤدي إلى التباغض والتدابر الذي نهى الشرع عنه. أرجو أن يكون قد فهم ذلك السائل، والله – سبحانه وتعالى- أعلم.